عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
69
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
ويتذاكر العلماء بحضرته ، وفي مجلسه ابن أبي زيد وهو الملقى عليهم ، وأبو القاسم بن شبلون ، وأبو الحسن القابسي ، وسعيد بن إبراهيم وغيرهم ؛ كل من يعرف مسألة كان يحضر مجلسه ، وذلك لما منعوا من المواعيد والفتوى ، فإذا تنازعوا فصل بينهم بأمر يرجعون كلهم إليه . فإن قلت : قد تقدم أن أبا إسحاق يقلّد أبا محمد بن أبي زيد ، وإلى ذلك أشار فيما تقدم من كتبه « 1 » إلى أبي عبد اللّه محمد العسّال لما مات ولده أبو حفص عمر أنا أحقّ بالعزاء منك فيه ، لأني كنت أريده للآخرة ، وأنت كنت تريده للدنيا ، وهذا ينافي ما تقدّم الآن من كون أهل درسه إذا وقفوا في أمر فصل بينهم بما يرجع جميعهم إليه . وفيهم أبو محمد بن أبي زيد . قلت : لا منافاة ، والأصل هو الثاني واستفتاؤه من ذكر فيما ينزل به إنما هو على طريق الورع ، وذلك أنّ الإنسان في خاصّة نفسه قد لا تطيب نفسه بما يظهر له حتى يسأل عنه غيره ، وهذا يجري لي كثيرا ولا أبلغ معشار معشار السبائي لا في الورع ، ولا في غيره ؛ واللّه سبحانه أعلم . ذكر ورعه ومكاشفته قال أبو الحسن علي بن محمد الدباغ : ما جعل الورع إلا لرجلين ؛ أبي إسحاق السّبائي ، وأبي الحسن بن الحلّاف ، ودخل أبو إسحاق حمّام الجزّارين ثلاث مرّات ، ثم ذكر أن فيه سهما محبّسا على قصر سهل ، فقال لأبي القاسم الشواذكي : إذا مضيت فخذ نصف درهم واشتر به زيتا للقصر ، وقال أبو الحسن القابسي : كنت جالسا في يوم عيد بين يدي أبي إسحاق السّبائي مع أصحابنا والناس يزدحمون فوجا بعد فوج ، يصافحونه ويتبرّكون بدعائه ، فقلت في نفسي : ترى إن كان في قلب الشيخ شيء من كثرة النّاس ؟ فقال في فوره : ما كان ذلك إلّا مرّة واحدة من الشّيطان ، فزال والحمد للّه ، قال : فقلت في نفسي : الشيخ يتكلم على الخاطر كما يذكر عن الأولياء ، فقال : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 4 ) [ الجمعة : 4 ] . قال : فدخل بعضي في بعض ، ووددت أني لم أخلق حياء وحشمة ، واعتقدت توبة وقلت :
--> ( 1 ) في ت : بكتبه .